الشيخ الطبرسي

168

تفسير مجمع البيان

( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ) أي مطرا ( فتصبح الأرض مخضرة ) بالنبات ( إن الله لطيف ) بإرزاق عباده من حيث لا يحتسبون ( خبير ) بما في قلوبهم . وقيل : اللطيف المحيط بتدبير دقائق الأمور ، الذي لا يتعذر عليه شئ يتعذر على غيره . ( له ما في السماوات وما في الأرض ) أي : له التصرف في جميع ذلك ( وإن الله لهو الغني الحميد ) الغني الحي الذي ليس بمحتاج . الحميد : المحمود بصفاته وأفعاله ( ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض ) من الحيوان والجماد ( والفلك تجري في البحر بأمر ه ) أي : وسخر لكم الفلك في حال جريها ( ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ) أي : يمنع السماء من وقعها على الأرض إلا بإرادته . والمعنى : إلا إذا أذن الله في ذلك بأن يريد إبطالها وإعدامها ( إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) برأفته ورحمته بهم فعل هذا التسخير ، وأمسك السماء من الوقوع . ( وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الانسان لكفور [ 66 ] لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الامر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم [ 67 ] وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون [ 68 ] الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون [ 69 ] ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير [ 70 ] ) . المعنى : ثم ذكر سبحانه دلالة أخرى على وحدانيته فقال : ( وهو الذي أحياكم ) بعد أن كنتم نطفا ميتة ( ثم يميتكم ) عند انتهاء آجالكم ( ثم يحييكم ) للبعث والحساب . وفيه بيان أن من قدر على ابتداء الإحياء قدر على إعادة الإحياء ( إن الانسان لكفور ) أي جحود ، فإنه مع هذه الأدلة الدالة على الخلق ، يجحد الخالق ( لكل أمة ) أي : لكل قرن مضى ( جعلنا منسكا هم ناسكوه ) أي : شريعة هم عاملون بها ، عن ابن عباس . وقيل : مكانا يألفونه ، وموضعا يعتادونه لعبادة الله . ومناسك الحج من هذا لأنها مواضع العبادات فيه ، فهي متعبدات الحج . وقيل : موضع قربان أي : متعبد في إراقة الدماء منى أو غيره ، عن مجاهد وقتادة .